مجموعة مؤلفين
103
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
فإذا كانت نيران الحب قد أفنت الشاعر في محبوبه ، فقد بقي له وسط ذاك اللهب روضة ذات أزهار ( هي رمز لفنون المعارف ) وللناظر إلى القلب بما احتوى عليه من تلك الأزهار الربانية أن يصور المشهد في أية صورة شاء ، لأن القلب له من تنوع الحالات ما يحتمل صورا كثيرة ( لاحظ العلاقة اللفظية بين قلب وتقلب ) ! فإذا صورت ما في القلب غزلانا ، كان القلب مرعى لها ؛ وإذا صورته رهبانا كان القلب ديرا لهم ، وإذا صورته أوثانا كان القلب بيتا لها ، وإذا صورته أرواحا طائفة كان القلب كعبة لتطوافها ؛ وإذا صورته آيات من التوراة كان القلب ألواحها ، وإذا صورته آيات قرآنية كان القلب مصحف قرآنها - على أن هذه الصور على اختلافها لا تشير آخر الأمر إلا إلى شئ واحد بعينه هو « الحب » الذي يدين به الشاعر مهما كانت تكاليفه ؟ وإذا كان الحب دين الشاعر ، فعلى المحب أن يفنى في محبوبه كما فنى المحبون جميعا من قبله : بشر هند ، وقيس ليلى ، وجميل بثينة وغيرهم . هذا هو مضمون القصيدة ، الذي لو أخذناه على ظاهر معناه كانت الإشارة فيه إلى ما بين الحبيبين من شوق يجذب أحدهما نحو الآخر ، جذبا وصل خيوط الحب بينهما كأنها ألسنة اللهب ، لكن الوصال مع ذلك لم يتحقق لهما ، فطوى المحب قلبه على حبه ، وراح يسترسل مع الخيال في تصوير ما انطوى عليه القلب . وواضح أن المعنى الصوفي الباطني ، الذي يجعل الأرواح المتناوحة هي روح الصوفي من جهة والأرواح الواردة إليه من جهة ، هو الأغلب ، والأقرب إلى القبول . ( ح ) - وهناك قصائد كثيرة ، لا يكون فيها الرجحان الغالب لا إلى المعنى الغزلى المباشر ، ولا إلى المعنى الصوفي الباطني ، بل يتعادل فيها التأويلان ، تعادلا تاما ؛ خذ مثلا قصيدة « حادي العيس » ( ص 68 - 70 ) وانظر كيف يتعادل المعنيان :